حفريات في الذاكرة من بعيد

📘 التفاصيل
العنوان: حفريات في الذاكرة
المؤلف: محمد عابد الجابري
الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية
سنة النشر: 1997
📚 المقدمة: حفريات في الذاكرة من بعيد
يمثل كتاب «حفريات في الذاكرة من بعيد» للعلامة والمفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري نسيجاً فريداً يمزج بين السرد السيري الذاتي والاستكشاف الأركيولوجي للتاريخ الاجتماعي والثقافي. لا يكتفي الجابري في هذا العمل بتقديم استرجاع نمطي لذكريات الطفولة والشباب، بل يعيد بناء واحة «فجيج» في الشرق المغربي بعين الباحث الأنثروبولوجي والمحلل الاجتماعي، متناولاً التحولات الحاسمة التي شهدها المغرب إبان فترة الاستعمار الفرنسي وحتى بزوغ فجر الاستقلال. إن الصدور الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 1997 يكشف عن الجذور الأولى التي غنّت الفكر النقدي للجابري، وأسهمت في تشكيل مشروعه النهضوي الصرحي في نقد العقل العربي.
ينطلق النص من فكرة أساسية مفادها أن الذاكرة ليست خزانة ساكنة للمعلومات، بل هي مادة حية تحتاج إلى التنقيب والحفر لاستخراج أبعادها الرمزية والاجتماعية. يعمد الجابري إلى استعادة المشاهد والوقائع اليومية، بدءاً من حبو الطفل بين أروقة «القصر» (التجمع السكني الصحراوي) والكتّاب القرآني، وصولاً إلى معارك الحركة الوطنية والانتقال إلى دمشق والرباط لتدريس الفلسفة. يمنح هذا الكتاب القارئ فرصة نادرة لفهم البيئة النفسية والفكرية التي خرج منها أحد أبرز الفلاسفة العرب في القرن العشرين، وتفكيك الآليات التي طوّر بها أدواته التحليلية منذ مرحلة المبكرة.
🌴 الفضاء الأول: فجيج وقصور الواحة الصحراوية
تستغرق واحة «فجيج» بقصورها وأزقتها وعاداتها جزءاً كبيراً من حفريات الجابري؛ حيث تتجلى البيئة الصحراوية كفضاء مشبع بالدلالات والتراتبيات الاجتماعية والتاريخية. يستعرض المؤلف تفاصيل الحياة داخل «قصر زناكة» وغيره من القصور المترابطة، مشيراً إلى نمط المعيشة الجماعي والعلاقة المتينة بين السكان، إضافة إلى التعايش اللغوي بين اللسان العربي واللسان الأمازيغي المحلي. يكشف الجابري عبر سرد ذكرياته عن الهيكلية الاقتصادية للواحة، المعتمدة على توزيع حصص المياه «تزادرت» ونخيل التمر، وكيف كانت هذه الموارد تنظم العلاقات الإنسانية والقوانين العرفية المكتوبة وغير المكتوبة بين القبائل والأسر.
ولم تكن الواحة مجرد جغرافيا معزولة، بل كانت نقطة تماس واستقطاب حضاري وتجاري وترهيب استعماري، سيما وأنها تقع على التخوم الحدودية بين المغرب والجزائر. يوضح الجابري كيف أثر التواجد الاستعماري الفرنسي والحدود المصطنعة على تفكيك الاقتصاد الاجتماعي للواحة والتضييق على الأهالي. ينظر الباحث إلى هذه المرحلة بعين نقدية تستحضر مشاعر الخوف والدهشة والوعي الفطري المتشكل لدى الأطفال آنذاك، مؤكداً أن الممارسات الثقافية والشعبية، مثل الاعتقاد بالجن والأولياء ومواسم الزيارة، كانت تشكل ملاذاً نفسياً وميكانيزماً دفاعياً للمجتمع في مواجهة قسوة الطبيعة وضغوط السلطة.
📖 من الكُتّاب إلى المدرسة الحديثة: التكوين المزدوج
يشكل المسار التعليمي للمؤلف محطة مفصلية في حفرياته، إذ يبدأ من «المسيد» أو الكُتّاب القرآني، حيث كان اللوح الخشبي والصلصال والمداد أدوات المعرفة الأولى. يحلل الجابري بنية التعليم التقليدي القائم على الحفظ والتكرار والمواظبة الشديدة تحت هيئة «الفقيه»، مسلطاً الضوء على الجوانب التربوية والآثار النفسية للصرامة والفرقة والعقاب البدني. ويُبرز كيف كان هذا النظام يزرع في أذهان الناشئة ملكة حفظ النصوص واستظهار المتون اللغوية والفقهية، وهو ما شكّل قاعدة صلبة استند إليها لاحقاً في تحصيله العلمي والمعرفي.
شهدت مرحلة الصبا تحولاً حاسماً بظهور المدارس الحرة التي أنشأتها الحركة الوطنية المغربية لمواجهة الفرنكة ولتدريس العلوم باللغة العربية. يتناول الجابري بالتفصيل دور «مدرسة النهضة المحمدية» بفجيج ومؤسسها الحاج محمد فرج، وكيف مثلت هذه المدارس بؤراً للنضال الوطني والتحديث الاجتماعي. أتاح هذا التكوين المزدوج للجابري الانفتاح على الثقافة الحديثة والمناهج النقدية مع الحفاظ على أصالة الهوية اللسانية والفكرية، مما مهد الطريق أمام عصاميته الاستثنائية للترقي في سلك التعليم والتأليف في سن مبكرة.