التعليم في المغرب العربي

التعليم في المغرب العربي: دراسة تحليلية نقدية لسياسة التعليم في المغرب وتونس والجزائر

غلاف التعليم في المغرب العربي

📘 التفاصيل

العنوان: التعليم في المغرب العربي
المؤلف: محمد عابد الجابري
الناشر: دار النشر المغربية - الدار البيضاء
سنة النشر: 1989

📚 المقدمة: قراءة نقدية في الفكر التربوي المغاربي

يمثل كتاب "التعليم في المغرب العربي: دراسة تحليلية نقدية لسياسة التعليم في المغرب وتونس والجزائر" للمفكر والفيلسوف المغربي الدكتور محمد عابد الجابري إحدى أنصع المحاولات الأكاديمية المبكرة لتشخيص الأزمة التربوية والتعليمية في المنطقة المغاربية عقب نيل الاستقلال. يأتي هذا العمل البحثي ضمن مشروع علمي واسع فرضه منتدى الفكر العربي لبحث أفق الاستراتيجيات المستقبلية للتعليم في الوطن العربي، حيث يتناول الجابري بالتشريح التاريخي والسوسيولوجي تحولات المنظومات التعليمية في كل من المغرب وتونس والجزائر، رابطاً بين خيارات التخطيط التربوي وبين التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المسجلة من منتصف القرن العشرين وحتى ثمانينياته.

ينطلق الباحث من فرضية مفادها أن الاستعمار الفرنسي ترك في البلدان الثلاثة تركة ثقيلة ومشتركة تجسدت في تعميق النخبوية والازدواجية اللغوية وتشتيت الهوية الثقافية الوطنية. إلا أن الاستجابات الوطنية والسياسات الرسمية في كل بلد اختلفت باختلاف مسارات التطور السياسي وطبيعة السلطة الحاكمة، فضلاً عن حجم التحديات الديموغرافية والمالية. ومن هنا تبرز أهمية الكتاب في كونه يسعى إلى صياغة مقاربة مقارنة تكشف مكامن الخلل في تطبيق المبادئ الأربعة الشائعة في الأدبيات التربوية المغاربية: التعميم، والتعريب، والتوحيد، والمغربة أو الجزأرة، داعياً إلى إعادة بناء الرهان التربوي كمدخل حقيقي للتنمية الشاملة والنهضة الحضارية.

🏛️ التركة الاستعمارية وبنية المنظومة التعليمية

يرى الجابري أن فهم السياسات التعليمية في المغرب العربي يتطلب استحضار الأطر والسياسات التي أرساه الإستعمار الفرنسي؛ إذ لم تكن المدارس والمؤسسات التعليمية المنشأة في ظل الحماية الفرنسية تهدف إلى إشاعة المعرفة أو تمكين أبناء البلد الأصليين، بل كانت أداة سياسية وإيدولوجية لترسيخ الهيمنة وتخريج نخبة إدارية موالية ومحدودة. اعتمدت الإدارة الاستعمارية خطة "التجزيء الطائفي والعرقي" والطبقي، عبر تفضيل تعليم نخبوي أبناء الأعيان، وإهمال أبناء الفئات الشعبية والقروية، وحصر المحتوى التعليمي في الحساب والتكوين المهني البسيط لمنع تشكل وعي وطني متكامل.

أدت هذه السياسة المقننة إلى تكريس صراع لغوي وثقافي حاد بين المنظومة التقليدية العتيقة المرتبطة بالجامعات الإسلامية الكبرى مثل القرويين بالمغرب والزيتونة بتونس وبين المدارس الحديثة الفرنسية. ونتيجة لذلك، أفرزت فترة الحماية نخبتين متمايزتين: نخبة معربة تتمسك بالتراث واللغة العربية لكنها معزولة عن معارف العصر ومؤسسات الإدارة الحديثة، ونخبة مفرنسة تتقن الإدارة والتقنية الحديثة لكنها مغتربة عن مقومات هوية مجتمعها. وقد شنت الحركة الوطنية في بلاد المغرب العربي نضالاً مريرًا لتأسيس "المدارس الحرة" لمواجهة هذه السياسة الاستعمارية وحماية الشخصية العربية الإسلامية.

⚖️ السياسات التعليمية بالمغرب الأقصى بين الطموح والإخفاق

يحلل الجابري التطور التاريخي للمخططات التعليمية في المغرب منذ الاستقلال عام 1956، مركزاً على إشكالية تطبيق "المبادئ الأربعة" (التعميم، التوحيد، المغربة، التعريب). شهدت السنوات الأولى انفجارًا ديموغرافيًا وإقبالاً جماهيريًا عارمًا على المدارس، مما فرض على الحكومات المتعاقبة اتخاذ تدابير استعجالية لمكافحة الاكتظاظ وأزمة نقص الأطر. غير أن غياب استراتيجية ممتدة وضغط التوازنات السياسية بين الأحزاب الوطنية والسلطة التنفيذية أدى إلى التراجع عن خيارات التعريب والتوحيد في مناسبات عدة، واستبدالها بمخططات مرحلية متضاربة كـ "المذهب التعليمي الجديد" سنة 1966.

ويكشف التحليل الرقمي في الدراسات التي أوردها المؤلف كيف تسببت الضائقة الاقتصادية وارتفاع أسعار المواد الأساسية والتكاليف المالية المرتفعة في تقليص نفقات التعليم والحد من تعميمه. فبدلاً من بلوغ التعميم الشامل والتعريب المتكامل للعلوم والآداب، ظلت النسبة الأكبر من التعليم الثانوي والعالي تعتمد اللغة الفرنسية في المواد العلمية والتقنية، مما عمق الهدر المدرسي ورفع نسب التسرب، وتسبب في ظاهرة "بطالة الخريجين" الحاملين لشهادات أدبية معربة لا تتوافق مع متطلبات سوق العمل المحلي الخاضع للمؤسسات الاقتصادية المفرنسة.

📜 التجربة التونسية وإشكالية الازدواجية اللغوية

في الشق المخصص لتونس، يستعرض الكتاب كيف هيمنت نخب "المدرسة الصادقية" على توجيه السياسة التعليمية بعد الاستقلال تحت قيادة الرئيس الحبيب بورقيبة. اختارت دولة الاستقلال التونسية مسار التحديث السريع القائم على دمج التعليم الزيتوني التقليدي في النظام الحكومي الحديث، وإصدار المخطط العشري لإصلاح التعليم (1958-1968). تميزت التجربة التونسية بقدر عالية من التنظيم والصرامة في تطبيق التخطيط التربوي، ونجحت في رفع نسب التمدرس بين الأطفال والفتيات بشكل ملحوظ مقارنة بجاراتها.

ورغم النجاحات المادية والمؤسسية، يوضح الجابري أن الإصلاح التونسي وقع في فخ "الازدواجية المكرسة"؛ حيث تم تبني تعليم فرنسي-عربي متوازن في الظاهر، لكنه يميل عمليًا لترجيح كفة اللغة الفرنسية بوصفها لغة العلوم والتحديث والترقي الاجتماعي. أدى هذا الخيار إلى إضعاف مكانة اللغة العربية ودور جامع الزيتونة التاريخي، ونشوء صراعات إيدولوجية وثقافية داخل الأوساط الطلابية والنقابية التي طالبت بتعريب حقيقي وعميق يعيد التوازن للهوية الوطنية ويمنع التبعية الثقافية للغرب.

🇩🇿 مسار التعريب والجزأرة في المنظومة الجزائرية

تكتسي الحالة الجزائرية في دراسة الجابري طابعًا استثنائيًا نظراً لشدة الضراوة الاستعمارية التي مارستها فرنسا طيلة 132 عاماً، والتي استهدفت المحو الكامل للشخصية الجزائرية. بادر الحكم الوطني بعد استقلال 1962 إلى إعلان خطة استعجالية لإنقاذ الموسم الدراسي وسط انسحاب جماعي للمدرسين الفرنسيين، فتم الاستعانة بالمعلمين المتطوعين والبعثات التعليمية من الدول العربية الشقيقة. واعتُبر التعريب والجزأرة في الميثاق الوطني والقرارات السياسية ركناً أساسياً من أركان السيادة الوطنية والسياسة الثورية.

غير أن التطبيق الميداني اصطدم بصعوبات هيكلية جراء نقص الكفاءات التربوية المؤهلة، واكتظاظ الفصول، وتدني المستوى البيداغوجي، إلى جانب الصراع المكتوم بين التيارين "التعريبي" و"الفرنكوفوني" داخل أجهزة الدولة. ولجوء السلطات الجزائرية إلى التعريب الفجائي والعمودي لبعض المراحل دون تحضير شامل للمناهج والأطر أدى إلى خلل بين مراحل التعليم الابتدائي والثانوي المعربة وبين التعليم الجامعي والتقني المفرنس، مما ولد أزمات أكاديمية واجتماعية واحتجاجات طلابية متكررة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

📊 مقارنة بين الرؤى والمبادئ الأربعة بالمنطقة

يقدم الجابري تقييمًا تركيبياً شاملاً للمسارات التربوية الثلاثة، محددًا أوجه التشابه والتفاوت في التعاطي مع إشكالية الإصلاح التعليمي من خلال الجدول التحليلي التالي:

الدولةالمبدأ الرئيسي المطبقأبرز التحديات التي واجهتهاالحصيلة والتأثير الاجتماعي
المغربالتعميم التدريجي والاحتفاظ بالازدواجيةالضائقة المالية، التراجع عن التعريب الشامل، الاكتظاظ.تعمق الفوارق بين التعليم العمومي المتردي والتعليم الخاص المفرنس.
تونسالتحديث المؤسسي وتوحيد التعليم الصادقي والزيتونيترجيح الفرنسية في العلوم، تهميش التعليم الأصيل.نسب تمدرس مرتفعة مع استمرار الأزمة الثقافية والازدواجية اللغوية.
الجزائرالتعريب السياسي الثوري والجزأرة السريعةنقص المدرسين المؤهلين، الانفصام بين الثانوي والجامعي.نجاح في الجزأرة الشاملة مقابل صعوبات في كفاءة المخرجات العلمية.

يتضح من هذا الرصد المقارن أن الإشكال الأساسي لم يكن يكمن في شعارات الإصلاح ذاتها، بل في آليات التنفيذ، وغياب الإرادة السياسية الموحدة، وارتهان التخطيط التربوي للتقلبات الاقتصادية والضغوط السياسية الخارجية والداخلية.

📌 الخاتمة: التربية كرهان لبناء المستقبل العربي

يخلص الدكتور محمد عابد الجابري في نهاية دراسته الميدانية والتاريخية إلى أن أزمة التعليم في المغرب العربي ليست مجرد أزمة تنظيمية أو بيداغوجية مقطوعة الصلة عن السياق العام، بل هي انعكاس مباشر لأزمة التنمية الشاملة وغياب المشروع الحضاري المستقل. إن الخروج من نفق الاختلالات التربوية يتطلب مراجعة جذرية تتجاوز الحلول الترقيعية والتراجعات التكتيكية، والعمل على صياغة سياسة تعليمية قومية متكاملة تجعل من اللغة العربية أداة للبحث العلمي والتفكير العصري، وتوفر تكافؤ الفرص لجميع أبناء الشعب.

إن كتاب "التعليم في المغرب العربي" يظل وثيقة مرجعية حية وضرورية لكل الباحثين والمهتمين بقضايا الإصلاح التربوي والتخطيط التعليمي في العالم العربي؛ لما يتضمنه من استقراء دقيق للأرقام والبيانات، ولما يطرحه من رؤية نقدية استشرافية تنبه إلى أن الاستثمار في الإنسان وتعليمه هو الشك الوحيد للتحرر الواقعي والنهوض الحضاري الذاتي.

🎯 كيف ترى أثر التخطيط التربوي التاريخي المغاربي على واقع المنظومات التعليمية العربية في وقتنا الحاضر؟

🔗 الرابط

اضغط هنا

فهرس المقالات