فاعلية برنامج إثرائي قائم علي نظرية العقل في تنمية التنظيم الانفعالي لدي عينة من الأطفال التوحديين

📘 التفاصيل
العنوان: فاعلية برنامج إثرائي قائم علي نظرية العقل في تنمية التنظيم الانفعالي لدي عينة من الأطفال التوحديين
المؤلف: شيماء أحمد مالكي أحمد أبوزيد
الناشر: كلية التربية - جامعة الإسكندرية
سنة النشر: 2022
📚 المقدمة: نظرية العقل وأثرها في تطوير السلوك الانفعالي للتأهيل النفسي
يشهد البحث الأكاديمي التربوي والنفسي اهتماماً متزايداً بالاضطرابات النمائية التي تصيب الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة، وعلى رأسها اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder)، والذي يُعد إحدى العقبات النمائية الفذة التي تؤثر على التفاعل الاجتماعي والتواصل اللفظي وغير اللفظي. يواجه الطفل التوحدي صعوبات حادة في فهم الحالات العقلية للآخرين وإدراك مشاعرهم ورغباتهم، مما ينعكس سلباً على قدرته في ضبط سلوكياته وانفعالاته والتكيف مع المواقف الحياتية اليومية.
تُعد "نظرية العقل" (Theory of Mind) من أهم المداخل المعرفية الفسيرة للتفاعل الاجتماعي؛ فهي تعبر عن قدرة الفرد على استنتاج وقراءة الحالات الذهنية والعاطفية لنفسه وللآخرين، والتنبؤ بسلوكياتهم بناءً على هذا الفهم. ومن هنا جاءت هذه الدراسة الأكاديمية القيمة الصادرة عن كلية التربية بجامعة الإسكندرية لتسلط الضوء على بناء برنامج إثرائي متكامل يستند إلى مهام نظرية العقل، بأسلوب علمي يستهدف تنمية مهارات التنظيم الانفعالي وتخفيف القصور السلوكي لدى عينة من الأطفال التوحديين.
🧩 أبعاد المشكلة البحثية وأهداف الدراسة الأكاديمية
تتمحور مشكلة الدراسة حول ما يعانيه أطفال التوحد من عجز ملموس في إدارة الخبرات الانفعالية والتعبير عنها بطرق توافقية، حيث يتجلى ذلك في القلق المفاجئ، نوبات الغضب، الاندفاعية، والانسحاب الاجتماعي. ويعود هذا الخلل الانفعالي في جوهره إلى غياب القدرة على "قراءة العقول" وإدراك أن للآخرين أفكاراً ومشاعر ومفاهيم قد تختلف عما يدور في ذهن الطفل نفسه، مما يجعله عاجزاً عن التنبؤ بالردود الانفعالية المناسبة وتكييف استجاباته مع متطلبات الموقف.
سعت الدراسة الميدانية الحالية إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الرئيسية المنظمة، والتي يمكن تلخيص أهمها فيما يلي:
- التحقق الميداني من مدى فاعلية البرنامج الإثرائي القائم على نظرية العقل في تنمية مهارات التنظيم الانفعالي لدى الأطفال التوحديين.
- الكشف عن استمرارية الأثر الإيجابي والتحسن المكتسب للبرنامج بعد مرور فترة متابعة زمنية (شهر من التطبيق البعدي).
- الوقوف على الفروق الإحصائية بين الذكور والإناث من أطفال العينة في مستوى التنظيم الانفعالي المكتسب بعد تطبيق البرنامج.
- تقديم تصور نظري وتطبيقي شامل يسهم في رفد الميدان التربوي ببرامج علاجية ونمائية موجهة لذوي الاحتياجات الخاصة.
📊 المنهجية والأدوات المستعملة في الدراسة الميدانية
اعتمدت الباحثة على المنهج شبه التجريبي ذي التصميم التجريبي للمجموعة الواحدة مع إجراء القياسات القبلية والبعدية والتتبعية، نظرًا لملائمته لطبيعة أطفال طيف التوحد وخصوصية العينة الميدانية. تكونت العينة الأساسية للدراسة من (6) أطفال توحديين ذوي أداء وظيفي مرتفع (3 ذكور، 3 إناث) يتراوح أعمارهم بين (10-11) سنة، بمتوسط عمر زمني (10.66) عاماً، ممن أظهروا انخفاضاً واضحاً في القياس القبلي لمهارات نظرية العقل والتنظيم الانفعالي.
ولضمان ضبط المتغيرات والتحقق من الخصائص السيكومترية لأدوات الدراسة، استعانت الباحثة بحزمة من المقاييس المعتمدة والأدوات المقننة، كما هو موضح في الجدول التالي:
| الأداة المستعملة | إعداد / تعريب | الهدف منها في الدراسة |
|---|---|---|
| مقياس التنظيم الانفعالي | إعداد الباحثة (2022) | قياس أبعاد الاستجابة الانفعالية الملائمة، التحكم الانفعالي، والوعي الانفعالي. |
| مقياس مفاهيم نظرية العقل | عبد العزيز الشخص وسلوى رشدي (2012) | تقييم المهام الذهنية (تمييز المشاعر، الاعتقاد الخاطئ، التمييز بين الواقع والخيالي). |
| مقياس جيليام التقديري للتوحد | تعديل وتوجيه: عادل عبد الله (2006) | تشخيص شدة أعراض التوحد وتحديد أفراد العينة الإجرائية بدقة. |
| اختبار المصفوفات المتتابعة الملونة (Raven) | تقنين: عماد أحمد حسن (2016) | قياس وتحديد نسبة الذكاء العام وتقارب مستويات القدرة العقلية للعينة. |
💡 مكونات البرنامج الإثرائي واستراتيجيات التدريب المعتمدة
تكون البرنامج الإثرائي الصمم من (35) جلسة تدريبية مكثفة بواقع 4 جلسات أسبوعياً، واستغرقت كل جلسة 30 دقيقة. ارتكز البرنامج على التدرج الهرمي النمائي لمهام نظرية العقل، حيث بدأ بتدريب الأطفال على تمييز الانفعالات الأساسية والمتركبة من خلال الصور الكارتونية والرسوم التخطيطية، ثم الانتقال لمهام استنتاج المشاعر المبنية على الرغبة والاعتقاد، وصولاً إلى استنتاج الاعتقاد الخاطئ من الدرجة الأولى والثانية والتمييز بين التصورات العقلية والواقع المادي.
اعتمدت الجلسات التدريبية على استراتيجيات وفنيات سلوكية ونمائية متنوعة أثبتت كفاءتها في التفاعل مع الطفل التوحدي، ومن أبرز هذه الفنيات التدريبية:
- التعزيز الإيجابي والرمزية: تقديم مكافآت مادية ومعنوية فورية لدعم الاستجابات التوافقية والتعبير السليم.
- النمذجة ولعب الأدوار: تمثيل الموقف الانفعالي عبر الفيديوهات والعرائس التفاعلية لتوضيح السلوك الانفعالي المطلوب.
- التلقين والحث: استخدام الحث اللفظي والبدني والإيمائي بشكل متدرج لمساعدة الطفل على الاستجابة الصحيحة.
- القصص الاجتماعية: صياغة قصص قصيرة مصورة تعكس مواقف حياتية يومية وتستعرض ردود الأفعال المباشرة.
- التغذية الراجعة واستراتيجيات التكرار: مراجعة الأداء والسلوكيات في بداية ونهاية كل جلسة لضمان تثبيت المهارات.
📈 نتائج الدراسة والتحليل الإحصائي المقارن
أسفرت المعالجات الإحصائية المتقدمة باستخدام اختبار "فريدمان" واختبار "بينفروني" لحجم الأثر عن نتائج ذات دلالة إحصائية عالية تُؤكد الفاعلية الفائقة للبرنامج الإثرائي. فقد أظهرت النتائج وجود فروق دالة إحصائياً بين متوسطات رتب درجات الأطفال في القياسات الثلاثة (القبلي، البعدي، التتبعي) لصالح القياسين البعدي والتتبعي في كافة أبعاد مقياس التنظيم الانفعالي والدرجة الكلية.
أوضحت النتائج أن التحسن المكتسب لم يقتصر على الفترة المباشرة للتطبيق، بل امتد أثره خلال فترة المتابعة التتبعية (بعد مرور شهر)، مما يشير إلى أن تدريب الطفل التوحدي على مهارات الاستدلال العقلي يُحدث تغييراً بنيمائياً ثابتاً في بناء شخصيته واستجاباته الانفعالية. وفيما يتعلق بمتغير النوع الاجتماعي، أظهر التحليل الإحصائي عدم وجود فروق دالة إحصائياً بين متوسطات درجات الذكور والإناث في القياس البعدي للتنظيم الانفعالي، مما يؤكد أن البرنامج الإثرائي يستهدف الميكانيزمات المعرفية والانفعالية لدى أطفال التوحد بغض النظر عن جنس الطفل.
📌 الخاتمة: التوصيات التربوية والآفاق البحثية المستقبليّة
تُثبت هذه الدراسة أن تدريب الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد على مهارات نظرية العقل يُعد مدخلاً جوهرياً لتطوير كفاءتهم النفسية والانفعالية، حيث يُمكّنهم من الانتقال من حالة الذاتية والجمود السلوكي إلى مستوى أعمق من الوعي الذاتي وفهم البيئة الاجتماعية المحيطة. ينعكس هذا النمو المعرفي مباشرة على قدرة الطفل في التحكم باندفاعاته وتعديل سلوكه والتفاعل الإيجابي مع الأقران والأسرة.
وبناءً على المخرجات العلمية الميدانية لهذه الدراسة، نوصي بالمقترحات التربوية والأكاديمية التالية:
- دمج مهارات وقواعد نظرية العقل ضمن الخطط التربوية الفردية (IEP) لمراكز التربية الخاصة والمدارس الدامجة.
- تصميم برامج إرشادية وتدريبية لأولياء أمور الأطفال التوحديين لتدريبهم على الاستراتيجيات المنزلية الداعمة للتنظيم الانفعالي.
- التوسع في استخدام التقنيات الحديثة كأنشطة الفيديوهات التفاعلية والقصص المصورة الرقمية للارتقاء بالنمو المعرفي الاجتماعي.
- إجراء المزيد من البحوث المستقبلية حول فاعلية برامج نظرية العقل في التخفيف من مشكلات سلوكية أخرى كالسلوك الانسحابي والعدواني.
🎯 كيف ترى أثر تدريب مهارات نظرية العقل في التخفيف من حدة الاضطرابات الانفعالية لدى أطفال طيف التوحد في بيئتك التعليمية؟