فعالية برنامج إرشادي قائم على فنيات علم النفس الإيجابي في تحسين المناعة النفسية و الكفاءة الاجتماعية لدى المعاقين بصرياً بالمرحلة الثانوية

📘 التفاصيل
العنوان: فعالية برنامج إرشادي قائم على فنيات علم النفس الإيجابي في تحسين المناعة النفسية و الكفاءة الاجتماعية لدى المعاقين بصرياً بالمرحلة الثانوية
المؤلف: دينا الحسيني السيد أحمد علي
الناشر: جامعة بورسعيد - كلية التربية - قسم التربية الخاصة
سنة النشر: 2022
📚 المقدمة: الإرشاد النفسي الإيجابي ورعاية ذوي الإعاقة البصرية
يمثل الاستثمار في رأس المال البشري وتنمية الطاقات الذاتية للأفراد ذوي الاحتياجات الخاصة أحد أهم المحاور الأكاديمية والتربوية في المجتمع المعاصر. وتكتسب مرحلة المراهقة لدى الطلاب المعاقين بصرياً أهمية الاستثنائية، إذ يواجه المراهق الكفيف أو ضعيف البصر حزمة مركبة من التحديات النمائية والنفسية والاجتماعية المتأتية من إعاقته البصرية وما يرافقها من ضغوط البيئة المحيطة. ومن هذا المنطلق، جاءت دراسة الدكتوراه القيمة للباحثة دينا الحسيني السيد أحمد علي والمقدمة لكلية التربية بجامعة بورسعيد لتركز على بناء وتطبيق برنامج إرشادي قائم على فنيات علم النفس الإيجابي واستكشاف أثره في الارتقاء بالمناعة النفسية والكفاءة الاجتماعية لدى هذه الفئة بالمرحلة الثانوية.
تكمن أهمية هذه الدراسة في تسليط الضوء على اتجاه علم النفس الإيجابي الذي ينقل البوصلة من التركيز على مكامن الضعف والاضطراب إلى تعزيز مكامن القوة والفضائل الإنسانية واستثمار الموارد السيكولوجية الذاتية. إذ تفترض الباحثة أن تزويد الطالب المعاق بصرياً بفنيات الأمل، والتفكير الإيجابي، والوعي المتسامي بالذات، وتوكيد الذات، والتعايش الاجتماعي من شأنه تشكيل صدع دفاعي سيكولوجي (مناعة نفسية) يُمكّنه من الصمود أمام المواقف الضاغطة، وتطوير استراتيجيات تكيفية مرنة تسهم مباشرة في رفع كفاءته الاجتماعية وتفاعله السوي مع أقرانه ومجتمعه.
💡 مشكلة الدراسة وأبعاد الإعاقة البصرية لدى المراهقين
تنبع مشكلة الدراسة من واقع الخبرة الميدانية للباحثة كمعلمة للغة العربية بمدرسة النور للمكفوفين وضعاف البصر ببورسعيد، حيث لاحظت وجود صعوبات نوعية تعتري التوافق النفسي والاجتماعي لدى الطلاب المعاقين بصرياً بالمرحلة الثانوية. وتتجلى هذه الصعوبات في انخفاض مستوى الثقة بالذات، والميل إلى الانزواء والانسحاب الاجتماعي، والشعور بالنقص والعجز، وضبط الذات الانفعالي المتردي أمام المواقف اليومية الضاغطة. وتتفاقم هذه المشكلات نتيجة القيود المعرفية والبيئية والحركية التي تفرضها الإعاقة البصرية، مما يُضعف البناء المناعي النفسي للطالب ويحرمه من فرص التفاعل الاجتماعي البنّاء.
وقد كشفت الدراسة الاستطلاعية التي أعدتها الباحثة على عينة استكشافية من الطلاب المعاقين بصرياً وجود نقص واضح في أبعاد المناعة النفسية ومستويات الكفاءة الاجتماعية، حيث أظهرت النتائج قصوراً توزّع على الأبعاد النفسية والمعرفية والانفعالية والاجتماعية. ويوضح الجدول التالي توزيع النواقص السيكولوجية التي رصدتها الدراسة في عينتها الاستطلاعية:
| معدل النقص الأكاديمي/السيكولوجي | البعد المستهدف بالقياس | المظاهر المترتبة على النقص |
|---|---|---|
| 17% | البعد النفسي الذاتي | ضعف الثقة بالنفس واهتزاز صورة الذات والقبول الدفاعي. |
| 16% | البعد المعرفي السلوكي | سيادة الأفكار الالعقلانية والتفكير السلبي الاستسلامي. |
| 17% | البعد الانفعالي | ضعف السيطرة الذاتية والانفعالية وسرعة التوتر. |
| 18% | البعد الاجتماعي والبيئي | الانزواء، ضعف التواصل مع الأقران، صعوبة تكوين الصداقات. |
🛡️ المناعة النفسية والكفاءة الاجتماعية: الأبعاد والمفاهيم الإجرائية
تستند الدراسة إلى إطار نظري محكم يربط بين مفهومين محوريين في علم النفس الحديث. أُولاهما المناعة النفسية (Psychological Immunity)، والتي تُعرف إجرائياً بأنها نظام سيكولوجي متكامل يعتمد على قدرة الطالب المعاق بصرياً على تكوين وبناء استراتيجيات فعالة وغير تقليدية تمكّنه من التعامل مع الأحداث الضاغطة، ومواجهة المواقف المحبطة والسلبية الناتجة عن الإعاقة، والتسم بالمرونة الفكرية والضبط الانفعالي والتفاؤل العقلاني. وتتكون المناعة النفسية من ثلاثة أبعاد رئيسية هي: المناعة الذاتية، والمناعة مع الأقران، والمناعة الاجتماعية/المجتمعية.
أما المفهوم الثاني فهو الكفاءة الاجتماعية (Social Competence)، والتي تُعرّف بأنها قدرة الطالب المعاق بصرياً على خلق استراتيجيات المشاركة الاجتماعية الإيجابية، والتفاعل بنجاح مع الآخرين، وبناء علاقات تعاونية وثيقة، واحترام حقوق المجتمع وتقاليده، مع تحقيق قدر مناسب من التقدير وتأكيد الذات وارتياح السلوك. وقسّمت الباحثة مستويات الكفاءة الاجتماعية إلى ثلاثة مستويات متدرجة المعقدة: الكفاءة الذاتية (مع الذات)، الكفاءة مع الأقران (مع المكفوفين)، والكفاءة المجتمعية (مع المحيط المجتمعي العام).
- أبعاد المناعة النفسية: تتضمن ضبط الذات، التفكير الإيجابي، والقدرة على التسامي بالذات وتجاوز الأزمات.
- مستويات الكفاءة الاجتماعية: تتدرج من تقدير الذات والحرية الشخصية إلى بناء الصداقات والدمج المجتمعي الفعال.
- الربط الدينامي: كلما ارتفعت المناعة النفسية لدى المراهق الكفيف، ازداد استقراره الوجداني وانعكس ذلك إيجاباً على كفاءته الاجتماعية.
🧪 المنهجية التجريبية وأدوات البحث السيكومترية
اعتمدت الباحثة على المنهج شبه التجريبي ذي التصميم التجريبي للمجموعة الواحدة مع القياسات الثلاثية: القبلي، البعدي، والتتبعي (بعد مرور شهر من انتهاء البرنامج). وتكونت العينة النهائية للدراسة من (13) طالباً وطالبة من المعاقين بصرياً كلياً وجزئياً بالمرحلة الثانوية بمدارس النور للمكفوفين بمحافظة بورسعيد، تراوحت أعمارهم بين (15-18) عاماً بمتوسط عمري (16.11) وانحراف معياري (0.77). وتم ضبط التكافؤ بين أفراد العينة وفق متغيرات النوع (ذكور وإناث) ودرجة الإعاقة البصرية (كف كلي وكف جزئي).
وقامت الباحثة بإعداد أداة القياس والمعالجة التجريبية وتطبيقها بعد التأكد من خصائصها السيكومترية (الصدق والثبات والتجانس الداخلي):
- مقياس الكفاءة الاجتماعية: مكون من 22 موقفاً حياتياً تقيس المستويات الذاتية ومع الأقران والمجتمعية.
- مقياس المناعة النفسية: مكون من 24 موقفاً تقيس المناعة الذاتية ومع الأقران والمجتمعية.
- البرنامج الإرشادي النفسي الإيجابي: شمل (13) جلسة إرشادية تدريبية تم تنفيذها مباشرة وإلكترونياً عبر تطبيق (Zoom)، وتضمن دليل المرشد وكتيب المسترشد المطبوع بطريقة برايل للطلاب.
📈 أثر البرنامج الإرشادي القائم على علم النفس الإيجابي ونتائجه
أسفرت المعالجة الإحصائية باستخدام اختبار ويلكوكسون (Wilcoxon) ومعامل الاتصال لرتب الأزواج المرتبطة (Matched-Pairs Rank Biserial Correlation) عن نتائج علمية حاسمة تؤكد الفاعلية العالية للبرنامج الإرشادي. فقد أظهرت النتائج وجود فروق ذات دلالة إحصائية عند مستوى (0.01) بين متوسطي رتب درجات أفراد المجموعة التجريبية في القياسين القبلي والبعدي على مقياسي المناعة النفسية والكفاءة الاجتماعية وأبعادهما الفرعية ولصالح القياس البعدي.
كما أثبتت نتائج القياس التتبعي (بعد شهر من تطبيق البرنامج) عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين القياسين البعدي والتتبعي، مما يشير إلى استمرارية الأثر الإيجابي للبرنامج الإرشادي والاحتفاظ بالمهارات والفنيات النفسية والاجتماعية المكتسبة لدى الطلاب المعاقين بصرياً، وفيما يلي ملخص لأبرز النتائج الإحصائية الدالة:
- حقق البرنامج حجم تأثير مرتفعاً جداً (Large Effect Size) في تحسين المناعة النفسية الكلية والكفاءة الاجتماعية الكلية.
- أظهر الطلاب المراهقون قدرة عالية على استيعاب فنيات بث الأمل، والتنفس الانفعالي، والتفكير الإيجابي، والحديث الإيجابي مع الذات.
- سجلت المناعة الذاتية والكفاءة الذاتية أعلى معدلات التحسن الكمي والكيفي لدى أفراد العينة.
- لم تظهر أية فروق دالة إحصائياً بين الذكور والإناث أو بين كف البصر الكلي والجزئي في مدى الاستفادة من الجلسات الإرشادية.
📌 الخاتمة: آفاق وتوصيات لتطوير برامج رعاية المكفوفين
تُعد هذه الدراسة إضافة علمية نوعية للمكتبة الأكاديمية العربية، إذ تقدم نموذجاً تطبيقياً متكاملاً لكيفية تسخير علم النفس الإيجابي وفنياته في خدمة التربية الخاصة. وتؤكد نتائج الرسالة أن الإعاقة البصرية لا تعني بحال من الأحوال حتمية الاضطراب النفسي أو القصور الاجتماعي، بل إن توفير البيئة الإرشادية الداعمة القائمة على بناء القوى الإنسانية الذاتية كفيل بتحويل التحديات والضغوط إلى فرص للنمو والارتقاء بالنفس والمهارات الاجتماعية.
وبناءً على نتائج الدراسة، أوصت الباحثة بضرورة تضمين فنيات علم النفس الإيجابي في خطط ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة بالمدارس والمؤسسات التعليمية، وتوفير غرف المصادر والوسائل التعليمية المطبوعة بطريقة برايل، فضلاً عن تقديم برامج توعوية وتدريبية لأولياء أمور الطلاب المكفوفين لكيفية التعامل السليم واستثمار مواهب أبنائهم ودعم استقلاليتهم النفسية والاجتماعية.
🎯 [سؤال تفاعلي]: كيف يمكن للبيئة التعليمية والأسرية التنسيق الفعال لتطبيق فنيات علم النفس الإيجابي في تحويل الإعاقة الجسدية إلى مصدر طاقة وصمود مناعي ونفسي لدى المراهقين؟