فعالية برنامج قائم علي الإرشاد بالواقع لخفض قلق المستقبل وأثره علي نوعية الحياة لدي أمهات أطفال اضطراب التوحد

📘 التفاصيل
العنوان: فعالية برنامج قائم علي الإرشاد بالواقع لخفض قلق المستقبل وأثره علي نوعية الحياة لدي أمهات أطفال اضطراب التوحد
المؤلف: مي حسن محمد حواس
الناشر: جامعة المنصورة - كلية التربية - قسم الصحة النفسية
سنة النشر: 2024
📚 المقدمة: أمهات أطفال التوحد بين ضغوط الواقع وتحديات المستقبل
تعد مشكلة الرعاية النفسية والاجتماعية لأسر ذوي الاحتياجات الخاصة، وبخاصة أمهات الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من القضايا المحورية التي تحظى باهتمام متزايد في مجالات الصحة النفسية والتربية الخاصة. يمثل ميلاد طفل مصاب باضطراب التوحد صدمة قوية للبنية الأسرية، حيث تحول متطلبات الرعاية اليومية المستمرة دون ممارسة الأمهات لحياتهن الطبيعية بشكل متوازن، مما يعرضهن لمستويات عالية من الإجهاد النفسي، والعزلة الاجتماعية، والضغوط الاقتصادية. تظهر ردود الفعل النفسية لدى الأم في صورة مشاعر متدرجة تبدأ بالصدمة والإنكار، مروراً بالشعور بالذنب والغضب والحزن الشديد، وصولاً إلى التكيف الشكلي أو الاستسلام للضغوط.
في هذا السياق، تسعى هذه الدراسة الأكاديمية المتميزة، المقدمة من الباحثة مي حسن محمد حواس لنيل درجة دكتوراه الفلسفة في التربية (تخصص الصحة النفسية والتربية الخاصة) بجامعة المنصورة، إلى اختبار فعالية برنامج إرشادي مستند إلى فنيات "الإرشاد بالواقع" لخفض قلق المستقبل وتحسين نوعية الحياة لدى أمهات الأطفال ذوي اضطراب التوحد. تنبع أهمية البحث من تسليط الضوء على فئة غير مهنية من الرعاة الأساسيين، وهن الأمهات، اللاتي يتحملن الأعباء الأكبر في التنشئة والتربية، مما يتطلب تزويدهن باستراتيجيات التعامل الفعال والمسؤول لمواجهة مشكلات الحاضر وتحديات الغد بكفاءة واقتدار.
🧠 الإطار النظري: الإرشاد بالواقع ونظرية الاختيار لويليام جلاسر
يعتمد برنامج الدراسة على مبادئ نظرية الاختيار والإرشاد بالواقع التي طورها عالم النفس الأمريكي وليام جلاسر (William Glasser). تنطلق هذه النظرية من فرضية أساسية مفادها أن الإنسان مسؤول مسؤولية كاملة عن خياراته وسلوكياته، وأن السلوك الكلي يتكون من أربعة أجزاء متكاملة: الفعل، والتفكير، والمشاعر، والاستجابات الفسيولوجية. يركز الإرشاد بالواقع على الحاضر والمستقبل بدلاً من الاستغراق في الماضي وأحداثه المؤلمة، ويمتنع المرشد فيه عن قبول الأعذار، مؤكداً على مساعدة المسترشدين في تقييم سلوكهم وتطوير خطط عمل واقعية وإيجابية لتلبية حاجاتهم الأساسية بشكل مسؤول دون الإضرار بالآخرين.
يتناسب هذا المدخل الإرشادي العقلاني والتعليمي بشكل وثيق مع احتياجات أمهات الأطفال ذوي اضطراب التوحد، حيث يساعدهن على الانتقال من موقف الضحية أو الشعور بالعجز والتشاؤم إلى موقف الفاعلية وتحمل المسؤولية الذاتية. يوضح البرنامج للمسترشدات أن إعادة ضبط التفكير والتحكم في الأفعال اليومية يفضيان تلقائياً إلى تحسين المشاعر وتقليل حدة التوتر الفسيولوجي. وفيما يلي جدول يوضح المقارنة بين المتغيرات الرئيسية للبحث وأبعاد قياسها المعتمدة في الدراسة:
| المتغير الرئيسي | نوع المتغير | الأبعاد الأكاديمية للقياس | الهدف الإرشادي/العلاجي |
|---|---|---|---|
| الإرشاد بالواقع | مستقل | الالتزام، المسؤولية، التخطيط، تقييم الذات، مواجهة الواقع | تمكين الأمهات من ضبط أفعالهن وتطوير خطط واقعية للتعامل مع الطفل. |
| قلق المستقبل | تابع رئيسي | القلق الصحي، الاجتماعي، الأسري، التعليمي/المهني، الانفصال، الاقتصادي | خفض التوتر والترقب التشاؤمي تجاه المستقبل المجهول للأبناء. |
| نوعية الحياة | تابع ثاني | النوعية الصحية، النفسية، الاجتماعية، الاقتصادية | رفع مستوى الرضا العام والرفاهية النفسية والاندماج الاجتماعي. |
🔍 مشكلة الدراسة وأبعاد قلق المستقبل لدى الأمهات
تتمثل مشكلة الدراسة في الارتفاع الملحوظ في معدلات قلق المستقبل لدى أمهات أطفال اضطراب التوحد، الناتج عن الضغوط المستمرة والخوف الدائم من تدهور حالة الطفل أو عدم قدرته على الاستقلالية والاعتماد على الذات في المراحل العمرية المتقدمة. يمتد قلق المستقبل ليشمل جوانب متعددة تخلق حالة من التوتر الشامل والمستمر، حيث تنشغل الأم بالتفكير في من يرعى طفلها بعد وفاتها، وكيفية توفير الموارد المالية الكافية لرعايته، فضلاً عن نظرة المجتمع السلبية والصعوبات التعليمية والمهنية التي تواجه الطفل.
حددت الباحثة ستة أبعاد أساسية لقلق المستقبل لدى أمهات أطفال التوحد، جرى تناولها بالتحليل والقياس ضمن أداة الدراسة المقننة:
- القلق الصحي: الخوف المستمر من تدهور الحالة الصحية للطفل أو عدم القدرة على تقديم الرعاية الطبية والرعاية الذاتية المناسبة له.
- القلق الاجتماعي: تجنب المواقف الاجتماعية، والخوف من نظرات الشفقة أو السخرية، وفقدان الثقة في الآخرين وفي المؤسسات المجتمعية.
- القلق الأسري: الترقب التشاؤمي لظهور خلافات أسرية أو تفكك العلاقات الأسرية وتأثر الأشقاء الآخرين بظروف إعاقة شقيقهم التوحدي.
- القلق التعليمي والمهني: الخوف من فشل الطفل في الحصول على تعليم أو تأهيل مهني مناسب يضمن له إمكانية العمل والعيش بحرية واستقلالية.
- قلق الانفصال: الشعور الفادح بالخوف والضيق عند التفكير في وضع الطفل بعد وفاة الأم أو فقدانها القدرة على رعايته بسبب المرض أو التقدم في السن.
- القلق الاقتصادي: الضغوط المالية الناجمة عن ارتفاع تكاليف العلاج والتأهيل، والخوف من العجز عن سد الاحتياجات المادية الحالية والمستقبلية.
🛠️ المنهجية والأدوات المستخدمة في الدراسة التطبيقية
اعتمدت الدراسة المنهج شبه التجريبي ذو التصميم التجريبي (قبلي - بعدي - تتبعي) لمجموعتين متكافئتين (تجريبية وضابطة)، للتحقق من مدى فاعلية برنامج الإرشاد بالواقع واستمرارية أثره. تكونت عينة الدراسة الأساسية من 16 أم من أمهات الأطفال ذوي اضطراب التوحد بجمعية رسالة بمدينة دكرنس التابعة لمحافظة الدقهلية بمصر، تراوحت أعمارهن بين 26 و45 سنة. تم تقسيم العينة بالتساوي إلى مجموعتين: مجموعة تجريبية (8 أمهات) خضعت للبرنامج الإرشادي، ومجموعة ضابطة (8 أمهات) لم تتلق أي تدخل إرشادي خلال فترة التطبيق.
صممت الباحثة مجموعة من الأدوات السيكومترية المقننة، شملت استمارة جمع البيانات الأولية، ومقياس قلق المستقبل (المكون من 71 عبارة موزعة على 6 أبعاد)، ومقياس نوعية الحياة (المكون من 64 عبارة موزعة على 4 أبعاد)، إضافة إلى البرنامج الإرشادي القائم على الإرشاد بالواقع والمكون من 36 جلسة إرشادية جرى تنفيذها بواقع 3 جلسات أسبوعياً (مدة الجلسة 45-60 دقيقة). جرى استخدام الأساليب الإحصائية اللابارامترية، مثل اختبار مان-ويتني (Mann-Whitney U) للمجموعات المستقلة، واختبار ويلكوكسون (Wilcoxon W) للمجموعات المرتبطة، ومعادلة حجم التأثير (Effect Size r) لتقييم قوة فاعلية التدخل الإرشادي.
📊 نتائج الدراسة ودلالاتها الكلينيكية والتربوية
أسفرت النتائج الإحصائية للدراسة عن تأكيد الفروض البحثية بكفاءة عالية، حيث أظهرت وجود فروق دالة إحصائياً بين متوسطات رتب درجات المجموعة التجريبية والمجموعة الضابطة في القياس البعدي على مقياس قلق المستقبل لصالح المجموعة التجريبية (اتجاه انخفاض درجات القلق). كما كشفت النتائج عن فروق دالة بين القياسين القبلي والبعدي للمجموعة التجريبية في اتجاه انخفاض قلق المستقبل وارتفاع درجات نوعية الحياة بأبعادها المختلفة (الصحية، النفسية، الاجتماعية، الاقتصادية).
أكدت النتائج وجود حجم تأثير كبير لبرنامج الإرشاد بالواقع، حيث بلغت قيمة حجم التأثير (r = 0.89)، مما يشير إلى فاعلية قوية ومباشرة للفنيات المستخدمة (مثل التعزيز الإيجابي، المحاضرة والمناقشة الجماعية، إعادة التعلم، النمذجة، التكليفات المنزلية، ولعب الأدوار). وأظهر قياس المتابعة التتبعي (بعد مرور شهر من انتهاء البرنامج) عدم وجود فروق دالة بين القياسين البعدي والتتبعي للمجموعة التجريبية، مما يثبت استمرارية الأثر الإيجابي للبرنامج واستقرار المكاسب النفسية التي حققتها الأمهات في ضبط سلوكهن والتكيف الفعال مع الواقع.
💡 التطبيقات التربوية والتوصيات الميدانية للرعاية النفسية
تكتسب نتائج البحث أهمية تطبيقية بالغة لمؤسسات التربية الخاصة ومراكز الإرشاد الأسري، إذ تقدم نموذجاً عملياً قابلاً للتطبيق الميداني لدعم أسر الأطفال ذوي اضطراب التوحد. توصي الدراسة بضرورة عقد دورات تدريبية وورش عمل مستمرة لأمهات الأطفال ذوي الإعاقة، تعتمد على استراتيجيات الإرشاد بالواقع وتثقيفهن بالمعلومات العلمية الصحيحة حول طبيعة اضطراب التوحد ومتطلبات النمو والتعليم، مما يساهم في إزالة الأفكار الالعقلانية والنظرة التشاؤمية تجاه المستقبل.
كما تشدد التوصيات على أهمية تفعيل الشراكة الإيجابية بين الأخصائيين النفسيين والأولياء، وتوفير الدعم الاجتماعي والمالي والأكاديمي الكافي للأمهات لتقليل حدة الإجهاد النفسي والإنهاك الوالدي. إن تزويد الأمهات بمهارات حل المشكلات والتخطيط الواقعي ومهارات التكيف يمثل الركيزة الأساسية لبناء بيئة أسرية صحية، ينعكس أثرها الإيجابي المباشر على تقدم الطفل التوحدي وتطوير مهاراته التفاعلية والاجتماعية في المجتمع.
📌 الخاتمة: نحو رؤية مساندة لأسر أطفال التوحد
في ختام هذه الدراسة، يتضح جلياً أن الإرشاد بالواقع يشكل مدخلاً علاجياً وتربوياً ذا قيمة عالية في خفض مشاعر قلق المستقبل وتحسين نوعية الحياة لدى أمهات الأطفال ذوي اضطراب التوحد. إن الانتقال بالأمهات من حالة الخوف والترقب والنزوع للانعزال إلى حالة الفاعلية والمسؤولية والتخطيط الواقعي يمثل حجر الزاوية في تحقيق التوافق النفسي والاجتماعي. تثبت أطروحة الدكتورة مي حسن حواس أن الدعم النفسي المنظم والمستند إلى قواعد علمية رصينة قادر على إحداث تحول إيجابي ملموس في حياة الأسر التي تواجه تحديات التوحد، مما يفتح آفاقاً جديدة للبحث والتدخل الإرشادي في البيئة العربية.
🎯 كيف ترى دور برامج الإرشاد بالواقع في تقديم الدعم النفسي والاجتماعي لأسر ذوي الاحتياجات الخاصة في مجتمعاتنا العربية؟